مقالات

ورحل عام غير مأسوف عليه بقلم د. علي الدين هلال

 

مقال للدكتور على الدين هلال استاذ العلوم السياسية ووزير الشباب الأسبق نقلا عن صفحته الشخصية

أعتقد أن الأغلبية العظمى من القراء سوف يتفقون معي في اختيار عنوان هذا المقال، فقد كان هذا العام بحق عامًا شاقًا وصعبًا على الدول والشعوب في كل القارات. وأود في هذا المقال أن أركز على مشهدين، الأول هو مشهد العالم في ظل وباء مرض فيروس كورونا، والثاني مشهد العالم وهو يتابع العام الأخير من ولاية الرئيس ترامب.
أما بخصوص المشهد الأول، فقد انتشر الوباء في كل الدول بغض النظر عن مستواها الاقتصادي أو قوتها العسكرية أو عدد سكانها، أو أي اعتبار آخر، فكانت المعاناة عامًة ومشتركة. أصاب المرض الملايين وأودى بحياة ما يقرب مليونين، وكانت له آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية طويلة المدى. فمن الناحية السياسية، تطلبت مكافحته توسع الدول في تدخلها لتنظيم العلاقات الاجتماعية، وفرضها لإجراءات حجر صحي وتباعد اجتماعي واغلاق عام أو جزئي للمحال، وإلزام المواطنين بارتداء الكمامات. بل وصل الأمر في عدد من الديمقراطيات الكبرى أن تم فرض عدد أقصى لمن يمكن لهم أن يتجمعوا في داخل البيت ومنع السفر إلى مدن بعيدة عن مقر الإقامة. وأثار ذلك جدل في هذه الدول حول حدود العلاقة بين الفرد والدولة، وخرجت مظاهرات في أمريكا وكندا تعتبر الإجراءات التي فرضتها الحكومة اعتداءًا على حرياتهم الشخصية.
ومن الناحية الاقتصادية، أدى الوباء إلى تعطيل الحركة التجارية في داخل كل دولة بسبب إجراءات الاغلاق للأنشطة الاقتصادية، مما أدى إلى زيادة أعداد المتعطلين الذين فقدوا وظائفهم وتقدموا بطلبات للحصول على إعانات اجتماعية من الدولة. وفي الولايات المتحدة وصل عدد هؤلاء إلى أكثر من ثلاثين مليون في شهر يونيو 2020.
وعلى مستوى العلاقات بين الدول، تم إغلاق المطارات، وتعطلت حركة التجارة وتبادل السلع، وكادت أن تختفي السياحة في أغلب الدول. أدت هذه التغيرات الداخلية والخارجية إلى تراجع معدلات النمو في كل اقتصادات الدول وإلى ركود في معدل نمو الاقتصاد العالمي.
ومن الناحية الاجتماعية، ساد شعور بالخوف والهلع لم يألفه الناس من قبل، فقد كان عليهم أن يواجهوا عدوًا غير مرئي، لم يعرف الأطباء في البداية آثاره أو طريقة انتقاله، ولم يوجد مصل أو لقاح للحماية منه. وكانت إجراءات التباعد التي توافقت عليها الدول منافية لطبيعة البشر. فالإنسان بحكم التعريف هو كائن اجتماعي يحقق ذاته من خلال التواصل والتفاعل مع الآخرين.
أما المشهد الثاني الخاص للعام الأخير من إدارة ترامب، فقد بدأ باغتيال قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني، وانتهى باغتيال محسن فخري زادة أهم عالم في المشروع النووي الإيراني. وفي منتصفه انفجرت حركة “حياة السود تهم”، وشهدت المدن الأمريكية اضطرابات وتظاهرات ضد قسوة الشرطة في التعامل مع الأمريكيين السود، والتي أدت إلى مصرع الكثيرين منهم.
ورافق ذلك انتشار الوباء مما جعل أمريكا تتصدر قائمة العالم من حيث عدد الإصابات، فبينما يمثل سكانها 5% من عدد سكان العالم فقد بلغت نسبة الإصابات فيها 20%. في مواجهة ذلك، اتسم موقف ترامب تجاه الوباء بالإنكار والتهوين من شأنه، ولم يتخذ الاجراءات الاحترازية المطلوبة مبكرا، وكرر أكثر من مرة أن المرض سوف يزول من تلقاء ذاته. وذلك رغم تحذير الجهات الطبية الحكومية والأكاديمية.
وبنفس الروح، لم يتعاطف ترامب مع تظاهرات الأمريكيين من أصل أفريقي، واتهمها باستخدام العنف وإثارة الفوضى في البلاد، ودعا الشرطة إلى مواجهتها بالقوة بل وهدد باستخدام الجيش وإنزال جنوده لاستعادة النظام وحفظ الأمن. وفي الحالتين، حرك ترامب القوى اليمينية والعنصرية في المجتمع الأمريكي لصالح مواقفه. فشجع المجموعات التي تحدت قرار حكام بعض الولايات بلبس الكمامات، ولم يرتدِ الكمامة، ولم ينصح الأمريكيين بارتدائها، معتبرًا أن هذا قرار شخصي على كل فرد أن يتخذه لنفسه. وترتب على ذلك، أن ارتداء الكمامة أصبح موقفا سياسيا فإن كنت مناصرًا لترامب فإنك لا ترتديها، وإن كنت معارضًا له فإنك تلتزم بها.
وفي نفس السياق، جاء موقف ترامب تجاه المظاهرات الرافضة للتمييز ضد السود في اتساق مع أفكار المجموعات اليمينية والعنصرية. ومن مظاهر ذلك، أنه روج لأفكار إحدى هذه المجموعات من خلال نشر فيديو لها على حسابه الشخصي بموقع تويتر. ولكن الأنكى من هذا وذاك، أن ترامب أعلن عن تزوير الانتخابات الرئاسية قبل إجرائها بشهرين على الأقل. فصرح بأنه إذا لم يفُز فيها، فإنها تكون قد زُورت بالضرورة. وكرر هذا الاتهام عشرات المرات بعد انتهاء الانتخابات وإعلان فوز جوزيف بايدن. وقام أعضاء حملته الانتخابية برفع عشرات الدعاوى القضائية في محاكم الولايات لإلغاء النتائج. وتم بالفعل إعادة فرز الأصوات في عدد منها مثل جورجيا وبنسلفانيا وميتشجين ولم يؤد ذلك إلى تغيير النتائج.
ورغم ان أعضاء المجمع الانتخابي قاموا بالإدلاء بأصواتهم في يوم 14 ديسمبر وأكدوا نتيجة الانتخابات العامة وهي فوز بايدن، فقد استمر ترامب على انكاره لصحة هذه النتائج. هذا في الوقت الذي استكمل فيه بايدن تشكيل أعضاء إدارته الجديدة وهنأه زعيم الأغلبية من الحزب الجمهوري بالفوز.
لقد كان عام 2020 عامًا استثنائيًا. شهدنا فيه أحداثًا جديدة علينا سواء فيما يتعلق بالمشهد العالمي بخصوص وباء كورونا أو بالمشهد الأمريكي والسلوك الغريب للرئيس ترامب. وكنت أتمنى أن يكون اكتشاف اللقاحات المضادة للمرض في الصين وروسيا وأوروبا وأمريكا بداية النهاية لهذا الوباء اللعين، ولكن الاخبار عن ” تمحور” الفيروس وظهور سلالات جديدة منه في المملكة المتحدة تجعل الانسان أكثر حذرًا وتحوطًا. مما يعني ان تداعيات هذا الوباء سوف تظل مع العالم للأسف في أغلب شهور 2021.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − 13 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق